بائع الفريسكا


ربما هو مشهد عابر نراة كثيرا ويمر علي اغلبنا مرور الكرام– فلا نتذكرة الا حينها اولا نلمح فية ملمح يستفز فينا شعورا لنعطية لحظات اطول فنتفكر في تفاصيلة او يمس ما هو اعمق فنحاول اكتشاف ما هو ابعد.

هل شاهدتم من قبل شيئ هو في الواقع كما يراة الاغلب جزء متجانس من المشهد العام .. الا انت .. فيستوقفك لتنهار عليك الدنيا بسيل الاسئلة  والاستنتاجات – فما تلبث ان تتحول الي تلك النفس اللوامة بكل جنباتها المؤلمة – فتشعر و كأن كل هذا بسببك و ربما انت هناك لتراة فلا صدفة اليوم في هذا.

دائما ما يستفزني هذا المشهد عندما اري “الشخص” و “المكان” و “الفعل” في حالة عدم انسجام.

فمثلا ان تري طفلة في العاشرة تجلس في قارعة الطريق منتصف الليل وسط المارة الفارين لبيوتهم من البرودة لتبيع المناديل. ربما هو طبيعي للبعض .. ولكن ماذا و ان لمحت كتابا في يدها الاخري تذاكر فية .. هل هي حقا في مدرسة ستصبح لتذهب لها.

 ان تري شخص يجر عربة القمامة بملابسهم المعتادة في منتصف النهار يكنسون الشارع و يجمعون القمامة من الارض .. هذا مشهد طبيعي للبعض .. ماذا ان علمت انهم يلمحونك مقتربا فتتحفز اعصابهم املا في ان تعطيهم شيئا .. فيكون لك القرار لتحدد مصير اللحظة .. اما تكون سبب اسعاد الشخص .. او ربما العكس … ماذا لو كان هذا الشخص سيدة في العقد الخامس .. كم مرة هي تعيش الامل حين تراك وينقضي دون حدوثة .. كم مرة تعيش الاحباط .. و كم مرة كنت انت سببا في كل هذا .

ان تسمع ان فتاة تم التحرش بها في الطريق ليلا ربما هو قول مألوف للبعض هذة الايام .. ولكن ماذا و ان عرفت ان الشارع كان ممتلئا بالمقاهي مكتظة بالرجال نوعا لا صفتا ..

ان تري شابا يبيع اعلام وسط ميدان التحرير بعد الثورة امرا مألوف جدا .. ولكن .. ماذا وان كان هذا الشاب في منتصف الثلاثينيات و الميدان شبة فارغ و الشمس في قمة نشاطها .. ماذا وان كان هذا الشاب بيدة فقط اربع اعلام .. سعر العلم 4 جنيهات .. اي انة يطمح في هذا الوقت ليبيع 4 اعلام بمبلغ 16 جنية فقط .. اضف الي ذلك ان صوتة مبحوح من كثرة النداء و التدليل علي الاعلام الاربعة .. ما نوع تلك الحاجة المتوقفة علي هذة 16 جنية .. وماذا سيحدث ان باع فقط ثلاث اعلام او اثنين او لم يبع و هذا هو الاوقع في هذا الوقت.

هكذا هي نوعية المشاهد حين تفقد انسجام اجزائها فترفضة الفطرة الاولي و يأبي العقل كما خلق علي قبولها فتتوقف الحياة و تتجمد الاحداث و يتحول المشهد العام الي فراغ سرمدي لا نهائي الا من هذا المشهد المرفوض .

صدع في خط الاحداث.

قد تراة طبيعي .. ولكن ماذال المشهد للبعض غير متناسق مع الواقع.

تبدأ الحكاية بعد صلاة الجمعة بمسجد الفتح لتخرج المظاهرة متجهة الي وزارة الدفاع .. مظاهرة عادية .. حاشدة بها كل الوجوة المعتادة .. كل الطبقات .. كل الاعمار و كذلك الاجناس .. الكل يهتف و الكل يسير في الطريق الطويل .. هكذا هي كل مرة لا جديد فيها.

“يسقط يسقط حكم العسكر” هو الهتاف الاكثر ترديدا ..

تدخل المظاهرة في شارع فرعي في طريق مؤدي للوزارة  فتمر مصادفتا امام شرفة علق احدهما عليها اسم شهيد باللون الاسود علي خلفية حمراء بطولها .. اطل من الشرفة سيدة في منتصف الخمسين و اخري في منتصف الثلاثين بملابسهما السوداء .. ورجل مسن يبدوا زوج السيدة الاولي – والتي هي ام الشهيد –  و اخر في الاربعين ربما زوج الثانية يحمل طفلة بين يدية … كل لة شكلة و كلهم لهم نفس العين المغرورقة بالدموع .. نفس النظرة القاتلة برسالة الحزن العميق..”ارحلوا من هنا .. لكم كان احب الي قلبة ان يشارككم تلك اللحظ .. “

فأتسائل .. هل حقا مشهد المظاهرة الحاشدة يوسيهم ام يذكرهم بالشهيد فينسوا الشهادة بنعيم الفردوس و يتذكروا فقط الموت المجرد بسواد الفراق ؟ هل عندهم امل ايمانا بما مات لة ام اننا عابثون كما يرونا الان ؟ هل فقدوا الامل ؟ هل استسلموا للمصير ؟ هل من شيئ افعلة ؟

تستمر المسير .. ويعود الهتاف القديم

“يسقط   يسقط  حكم   العسكر”

“فريسكا فريسكا فريسكا فريسكا”

هكذا سمعتها علي نفس النغم الاول ينادي شخص ما بصوت لم اشك لحظة انة لفتي لا اكثر ..

اخرجني الهتاف من الحالة التي وضعني بها مشهد الشرفة الحزينة ليدخلني في حالة بحث عن مصدر الصوت

وجدتة اخيرا وكان المشهد كتلك المشاهد السالف ذكرها  .. مشهد خارج السياق الطبيعي لخط الاحداث

هنا فعلا كما وصفت .. انعدمت الحياة من اي تفاصيل لتصبح خلفية رمادية للمشهد الوحيد لمصدر الصوت الغريب

المشهد غريب في المكان .. غريب في الزمان .. غريب في الوصف .. غريب في كل شيئ

ملحوظة: لم اجد اي مشكلة لاكتب الحكاية حتي هذة النقطة الا اني كلما حاولت الاستمرار .. فأقرا ماكتبت .. فأتراجع و اعود لنفس النقطة .. فتقبلوا ما هو اتي كما هو فالامر حقا صعب

فتي لم يتجاوز السادسة عشر من العمر .. نحيف القوام متوسط الطول .. كل هذا طبيعي ربما للبعض ..

ولكن . ماذا و ان عرفت ان هذا الفتي كان متأنقا في مظهرة بشكل يجعلك تدقق في التفاصيل حتي تكتشف رخص ثمن الملابس الواضح للمهتم.

يرتدي حزاء ابيض جلدي .. وبلوفر خفيف .. ليس اختيارة ان يكون خفيفا بالطبع ولكنها امكانيات الفريسكا في كساء حاملها.. يرتدي قميص ابيض يخرج الياقة من تحت البلوفر ليزداد أناقة ..او ربما يداري عيبا ..  يرتدي عوينات لها اطار ابيض كلون الحذاء.لا اعرف ان كان فعلها عن قصد او لا . شعرة مصفف الي احد الجانبين بشكل واضح و متقن بدون اي اضافات.

يحمل الفتي صندوق الفريسكا علي الجزء الخلفي من رقبتة دافعا برأسة لاسفل تاركا مساحة للصندوق رافعا يداة ليتشبث بالصندوق.

هل كفي الوصف لان تتخيل ان الوضع الطبيعي لاتجاة الرؤية هنا كان للاسفل نتيجة وضع الرأس ؟.. دعني اخبرك ان هذا لم يكن وضعها.. فقد ادار الفتي عيناة لاعلي ليعيدهما للوضع الطبيعي لمن لا يحمل صندوق علي رقبتة.. جربها و استمر لمدة ثلاث دقائق واخبرني بماذا تشعر.

نظرت لوجة الفتي في تلك اللحظة فرأيت ضحكة رضي لم اراها الا علي وجة جدي قبل وفاتة باسبوع وهو في اوج مرضة.

وينادي فريسكا فريسكا فريسكا فريسكا علي لحن يسقط يسقط حكم العسكر.

ايها الفتي بائع الفريسكا:

توقف عن الضحك … فأنت محني الرأس

توقف عن الضحك … فانت تحمل صندوق الفريسكا منذ بداية المسير او بعدة بقليل و نحن في أخرة الان

لا اعلم لماذا .. ولكن تركزت كل قواي العقلية في محاولة غير مبررة لتخيل مشهد هذا الفتي قبل الخروج ليبيع الفريسكا في المظاهرة…

تخيل انك في السادسة عشر .. في قمة المراهقة .. وتستعد للنزول لتذهب الي درس خصوصي .. تخيل ان الدرس بة بنات في مثل سنك .. بالطبع ستهتم بمظهرك قدر المستطاع لتحفظ اناقتك امام الفتيات .. ربما لا للفت نظرهن .. ولكن علي الاقل حتي تحفظ ماء وجهك ان التفتوا اليك اوسقطت منهم نظرة من غير عمد .. حسنا .. ماذا وان كان اليوم هو ميعاد الدفع و انت لا تملك النقود .. هناك خيار من اثنين .. اما ان تذهب و في هذة اللحظة عليك ان تواجة و تتحمل تلك االحظة العنيفة التي تخبر فيها انك لن تدفع اليوم والتي قد تكون مصحوبة بنظرة اشفاق البنات و التي قد لا تحدث و لكنك لن تعرف هذا لانك ستقاتل لتتجنب النظر الا للفراغ .. او ان تقرر انك لست بذاهب اليوم .. ماذا وان لم يكن لك الخيار .. اي انة لابد من الذهاب و الاعتذار عن الدفع ثم مواجهة النظرات.

هذا بالضبط بائع الفريسكا كما تخيلتة.. هو ذاهب في مكان يعلم ما فية .. و لكنة مضطر للذهاب .. حاملا صندوق الفريسكا علي رقبتة مناديا بما في داخلة.

فيرتدي الملابس الانيقة ليحفظ ماء وجهة .. ولكنك تحمل صندوق الفريسكا .. اي ماء تحفظ ؟؟!!

هل تعلم تلك الابتسامة تعلوا الوجة عندما تتعرض لموقف  محرج .. هكذا انا اري ضحكة بائع الفريسكا ..

توقف عن الضحك … لماذا انت مضطر للخروج ؟

توقف عن الضحك … لماذا انت هنا الان و لماذا انا اراك ؟

كيف هي مشاعرك الان .. هل انعدمت فطرتك فلا تتألم .. ام ماذالت و ماذال الالم ؟

توقف عن الضحك … كم دفعت للملابس .. وبأي شيئ ضحيت لها ؟

توقف عن الضحك … هل تحلم بأن تصبح شيئا .. ام تحلم بأن تبيع كل الفريسكا .. ام تحلم بألا تراك الفتيات بعين الشفقة ؟

توقف عن الضحك و حطم هذا الصندوق وعد الي ما يجب ان تكون علية

توقف عن الضحك و حطم هذا الصندوق فوق رأس الاضطرار ودعها لمن لم يضطروا يوما فأصبحت انت المضطر الوحيد

او حطمة فوق رأسي انا .. فلا اراك

او ارحل الان ودع المشهد يعود لانسجامة

او توقف عن الضحك فالكل يضحك هنا  الا انت.

Advertisements

One thought on “بائع الفريسكا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s